Showing posts with label عزمي بشارة. Show all posts
Showing posts with label عزمي بشارة. Show all posts

Tuesday, December 10, 2013

في الثورة والقابلية للثورة

في الثورة والقابلية للثورة


يستعرض عزمي بشارة في كتيِّب "في الثّورة والقابليّة للثّورة" -الذي لا يتجاوز عدد صفحاته المئة- أهمّ ما ينبغي أن يُعرف عن الثّورات، من حيث فلسفتها النّظريّة وممارستها العمليّة وتاريخها؛ وذلك بطريقةٍ مختصرة ومفيدة. وهو بذلك يقيم الدليل على قوّة النّهج الذي ألمح إليه أساتذةٌ وكتّابُ كبار بأنّ أعمق الأفكار يمكن تقديمها والتّعبير عنها من دون الحاجة إلى إسهاب. ويذكّر هذا الكتيّب بنوعٍ من الأدبيّات السّياسيّة؛ كان قد انتشر في أوروبا، وظفِر بشعبيّة كبيرة، خصوصًا في مطلع القرن العشرين. وهو الذي عمّمته الأدبيّات الماركسيّة بالخصوص، وكان لماركس وإنغلز نصيب فيه، ثمّ تبعهما في ذلك العديد من المنظّرين الثّوريّين. 

ويبدو بشارة في هذا الكتاب حريصًا على أمرين مترابطين؛ أوّلهما: العمل على إضاءة ما يجري في الوطن العربي، منذ أحرق ذلك الشابّ الفقير نفسه في بلدة سيدي بوزيد التّونسيّة، مشعلًا بذلك الثّورة في بلاده وفي البلدان ذات الأنظمة المشابهة، دون أن يكون قد قصد ذلك؛ وثانيهما: أن لا تكون تحديدات الكاتب للثّورة وللحالة الثّوريّة تطبيقات فوقيّة سطحيّة ومتعسّفة لنظريّات أجنبيّة على واقعٍ اجتماعي وثقافي مختلف.

وعلى الرّغم من إمكانيّة إدراج هذا الكتاب ضمن التّراث الإنساني الأوسع للأدبيّات الثّورية؛ فإنّه يتميّز بخاصيّات نوعيّة، تجعله "يتيمًا" -تقريبًا- في أدبيات العلوم الاجتماعية العربية الحديثة. وليس هذا الأمر بغريب، فعلى الرّغم من أنّ الثّورة ليست ظاهرة جديدة في التّاريخ العربي، فقد ظلّ التنظير متخلّفًا شيئًا ما، حيث نرى أغلب الكتب التي أُلِّفت عن الثّورة -كفكر وممارسة في الوطن العربي- إمّا أنّها تنحو تجاه الكتابة التّأريخية التّسجيلية والسّرد الحدثي (كجلّ ما كُتب مثلا عن الثّورة العربية الكبرى ضدّ العثمانيّين، وثورة عرابي، وثورة الأمير عبد القادر، وثورة علي بن غذاهم، والثورات الوطنية ضدّ الاستعمار...)، أو أنّها تستوحي النموذج الماركسي-اللينيني أو الماركسي-الماوي من دون أن تقدّم إضافةً نوعيّة تجعل العرب مساهمين فاعلين في هذا التّراث الإنساني لا مستهلكين. وحين شذّت الكتابات عن هذين النّمطين، وقعت تحت تأثير الأيديولوجيا "المغناطيسي"، فقدّمت لنا "أيديولوجية ثورية" على هيئة "نظريّة قوميّة عربيّة"  أو "إسلاميّة" عن الثّورة، وليس بالضّرورة معرفة علميّة.

حتّى الثّورة الفلسطينية نفسها، وعلى الرّغم من أهميتها وخطورتها وعراقتها، ظلّت أسيرة القوالب الجامدة والتّفكير الدوغمائي أو البراغماتية المسطّحة والانفعالات السياسوية التي لا ترقى إلى مستوى الفكر العلمي والنّظريّة الاجتماعية. وهذا بلا شكّ، يمثّل جزءًا من المعضلة الفلسطينيّة والتّحدّيات التي واكبت القضيّة، واستمرّت ملازمة لها إلى اليوم. وكثيرًا ما ذكر الفلسطينيّون الثّورة الجزائريّة أو الفيتناميّة كنموذج، ولكن الأولى لم تُنتج نظريّةً ولم تستند إلى نظريّة، على الرّغم من محاولة إلصاقها بأفكار فرانتز فانون، ولم يكن هذا الأخير جزائريًّا، وإنّما كان كاتبًا متعاطفًا فحسب. وأمّا الثّورة الفيتنامية، فقد كانت منذ البداية مؤسّسة على الفهم الأيديولوجي الماركسي للتاريخ. وهو فهم سقط في الامتحان العربيّ، ولم يكتب له النّجاح والاستمراريّة في العالم.


Saturday, November 23, 2013

الثورة التونسية المجيدة

الثورة التونسية المجيدة



مركز الدوحة : صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات  للدكتور عزمي بشارة عنوانه "الثورة التونسية المجيدة". وفي هذا الكتاب يتعقّب المؤلف الأسبابَ الجوهريّةَ التي أدت إلى الثورة التونسيّة، ويعقد مقارناتٍ علميّةً بين بعض المظاهر الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي سادت في تونس قبل الثورة، وبين مثيلاتها من المظاهر في دول عربيّة أخرى مرشحة للثورة؛ ومنها فشل التنمية، وتزايد البطالة، وتوريث الحكم وشرعيّته وتسلّطه،  والتدين والعلمانيّة... وغيرها. والكتاب هو محاولة تحليليّة لفهم بنية الثورة التونسيّة، وصيرورتها من خلال يومياتها. وفي سياق هذه المحاولة يقدِّم المؤلف قراءةً نقديّةً معمّقةً لأشكال التسلط التي شهدتها بعض البلدان العربيّة؛ ولا سيّما في طور اندماج فئة رجال الأعمال بمنظومة الجهاز الاستبدادي، وظهور جيل جديد من أبناء المسؤولين العسكريين والأمنيين الذين اتجهوا نحو الاستثمارات، ولجأوا إلى طريقة عيش مُترفة، وإلى الاستهلاك المبتَذَل كسلوك استعراضي. وكان ذلك كله محاولة لتغطية روائح الجرائم المرتكَبَة في أقبية التحقيق والتعذيب بعطور مزيّفة قوامها جيش من المثقفين والكتاب والفنانين وروّاد الصالونات الثقافيّة المكرّسة لهذه الغاية.
يعود الكاتب في هذا الكتاب (496 صفحة بما فيها الوثائق والفهرس) إلى ما قبل الثورة التونسيّة، ويرصد تاريخ الانتفاضات، ويشرح خريطة الأحزاب في تونس عشيّة نشوب الثورة. ثم يعرض تفاصيل الوقائع في يوميّات الانتفاضة، وكيف تطورت الأحداث تدريجيًّا حتى لم يبقَ أمام زين العابدين بن علي غير الهرب. أما الدرس التاريخي الذي يستخلصه الكاتب في خضم الثورات العربيّة المندلعة اليوم؛ فيقدمه في صيغة اقتراح للمجتمعات متعددة الهويّات، والتي تتضامن بعض هويّاتها مع النظام القائم (مثل حالة سوريّة والعراق)؛  فيقترح أن يتم الإصلاح بالتدريج، وأن يجري انتقال السلطة سلميًّا، والأفضل أن يكون الانتقال بمشاركة النظام القائم خوفًا من أن يشُق أي تحرك ثوري المجتمع شاقوليًّا. لكنّ الكاتب يتساءل: ما العمل إذا ما رفض النظام نفسُهُ الإصلاح، وأصرَّ على تأجيج سياسة الهويّات كوسيلة لتعبئة أنصاره، هل يمكن لتغيير النظام بالقوة في بعض الحالات أن يتحول إلى تفكيك الكيان السياسي؟
يحيل الكاتب -في سياق الإجابة عن هذا التساؤل- الأمر إلى الديمقراطيين العرب، ويعرض عليهم خيار السعي إلى الديمقراطيّة على أساس المواطنة المتساوية، وتجنُّب صراع الهويات؛ ذاك الذي يؤدي بالضرورة إلى التحول نحو الصراع ضد جماعات متماهية مع النظام. ويرى أن الثورة الديمقراطيّة تعني، أولًا وأخيرًا، ممارسة الشعب لسيادته باعتباره شعبًا موحَّدًا، وأي ثورة تجزّئ الشعب إلى هويّات جزئيّة ليست ثورة ديمقراطيّة.





Tuesday, November 19, 2013

المجتمع المدني دراسة نقدية

المجتمع المدني دراسة نقدية






من موقع المركز العربي للدراسات
هذا الكتاب إنجاز نظري ونقدي في شأن تطوّر المفهوم (أي في تعريفه التاريخي) عبر مراجعة تاريخ الفكر السياسي الغربي، وهو يبحث في وظائف المجتمع المدني المؤدّية إلى الديمقراطية، بعد أن غاب المفهوم وعاد إلى الظهور من جديد بمعنًى مختلفٍ ومتطابق مع ما هو ليس سياسيًّا. غير أنّ "السياسي" عاد بقوّة إلى الحراك الاجتماعي وعبر الثورات العربية التي تداعت أحداثها بسرعة من تونس إلى مصر إلى اليمن وليبيا وسورية، فأين يقع المجتمع المدني في هذا الحراك؟

تشهد المجتمعات العربية عملية إعادة تشكّل، وتعمل فيها الهوية العربية كخلفية ثقافية وجدانية مشتركة. ولكن الفاعل على الأرض هو جموع المواطنين الواعين بحقوقهم كمواطنين والمدركين أنّ عليهم واجبًا سياسيًّا يتمثل في مشاركتهم الفاعلة في الحيّز العام. إنّ ما يجري تشييده عبر هذه الصيرورة الثورية هو مجتمع مدني وأمّة مواطنية في الوقت ذاته.

على الرّغم من صدور خمس طبعات متتالية (ثلاث في بيروت واثنتان في فلسطين)، فإنّ هذا الكتاب في طبعته السّادسة الصّادرة حديثًا عن المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السّياسات، لا يزال يحتفظ بأهميّته النظريّة ككتاب مرجعيّ. وتكمن أهميّة هذا الكتاب اليوم في أنّه يصدر في خضمّ الثّورات العربيّة الرّاهنة التي أعادت الاعتبار إلى مفهوم المجتمع المدنيّ وفاعليّته ودوره.

أعدّ المؤلّف مقدّمة وافية وخاصّة لهذه الطّبعة (400 صفحة)، سرد فيها تاريخ ظهور فكرة المجتمع المدنيّ في العالم العربيّ، فرأى أنّ ظهورها في تسعينيّات القرن العشرين وانتشارها بقوّة آنذاك كان نوعًا من التّعويض عن نكوص سياسيّ أصاب المثقّف العربيّ، وأدّى إلى استقالته من السّياسة جرّاء انحسار الأفكار اليساريّة والقوميّة، لهذا جاء معظم مَن تبنّى هذا المفهوم من اليسار والحركات القوميّة. ورأى أنّ ذلك ترَافق مع انهيار الاتّحاد السوفياتيّ ومع الأزمة التي عصفت بالعالم العربيّ غداة احتلال الكويت في سنة1990، ثمّ توقيع اتّفاق أوسلو في سنة 1993. وفي خضمّ هذه الأحداث التي جعلت كثيرًا من المثقّفين ينسحبون من السّياسة، حاول بعض اليساريّين السّابقين اختزال المجتمع المدنيّ في ما يسمَّى "المنظّمات غير الحكوميّة". لكن، ها هو المثقّف اليوم يعود إلى ممارسة السّياسة مع اندلاع الثّورات العربيّة في تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية، وينخرط في الحراك الثوريّ بأفكاره ومواقفه وبجسده أيضًا. وخلص الدّكتور عزمي بشارة إلى الاستنتاج أنّ المجتمع المدنيّ من دون سياسة، وخارج سياق النّضال في سبيل الديمقراطيّة، هو إجهاض للمعنى التاريخيّ للمجتمع المدنيّ.

في جانبٍ آخر، لاحظ عزمي بشارة في هذا الكتاب، الفارق بين الأمّة والقوميّة، ورسم تخومًا منهجيّة ومعرفيّة بينهما. وفي هذا الحقل من المعرفة شدَّد على الأمّة المواطنيّة بوصفها أمّة نحو الخارج، ومجتمعًا مدنيًّا نحو الدّاخل. أمّا المواطنة فهي عابرة للهويّات الثقافيّة والأثنيّة والطائفيّة والقبليّة، بينما القوميّة تتأسّس على اللّغة. وعلى هذين الأساسين يمكن بناء المجتمع المدنيّ وتشييد عماده في العالم العربيّ.

في المجال العيانيّ يخشى عزمي بشارة من تحوّل الصّراع ضدّ النّظم السياسيّة في المشرق العربيّ إلى صراعٍ على الهويّات، وهذا الأمر من شأنه أن يفتِّت "المشترك القوميّ"، ويمنع تشكّل أمّة مواطنيّة. ولاحظ، على سبيل المثال، أنّ المجتمع المدنيّ في اليمن يشقّ طريقه بأمل، لكن بصعوبةٍ بالغة، عبر التّمايز عن الدّولة والقبيلة والعسكر معًا. أمّا في ليبيا فيبدو أنّ المواطنة تخوض صراعًا على جبهتين: ضدّ التدخّل الخارجيّ الذي يمتهن السّياسة الوطنيّة، وضدّ إحياء القبيلة والجهويّة. وانتقد بشارة كيل المديح، بلا حساب، للشبّان العرب؛ هذا المديح الذي يشبه مدائح المثقّفين العرب للمجتمع المدنيّ حين اكتشفوه أوّل مرّة. ورأى أنّ هذا المديح يضلّل الشبّان العرب، ويضفي عليهم صفة "الفئة السياسيّة" أو "التيّار السياسيّ المتجانس"، وهذا مخالفٌ للواقع تمامًا



Tuesday, October 29, 2013

العرب وتركيا - تحديات الحاضر ورهانات المستقبل

 العرب وتركيا - تحديات الحاضر ورهانات المستقبل







صدر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب جديد عنوانه "العرب وتركيا: تحديات الحاضر ورهانات المستقبل" (928 صفحة من القطع الكبير). ويضم هذا الكتاب بين دفتيه مجموعة أبحاثٍ كتبها ثلاثة وعشرون باحثًا عربيًا، وتوزّعت على الأقسام التالية: الإرث التاريخيّ السياسيّ والاجتماعيّ لتركيا (وجيه كوثراني وسيار الجميل ومحمد جمال باروت وناظم يونس عثمان)؛ المصالح المتبادلة (منير الحمش وهدى حوا وعصام الجلبي وعمرو كمال حمودة وعبد المجيد عطار وناجي علي حرج وطارق المجذوب وسمير العيطة)؛ البعد الإستراتيجي (محمد السيد سليم وفرح صابر ومحمد عبد القادر وعلي حسين باكير وعبد الوهاب القصاب ومصطفى اللباد ومحمود محارب)؛ التحديات المستقبليّة (محمد نور الدين ووصال نجيب العزّاوي وعقيل محفوض وهشام القروي).
قدّم للكتاب الدكتور محمد نور الدين فرأى أن العلاقات بين العرب والأتراك لم تسلك -في أي يوم من الأيام- مسلكًا ثابتًا. وحتى سياسة "حزب العدالة والتنمية" القائمة على الانفتاح على العرب من جهة، والتحالف مع الغرب من جهة أخرى، تأتي في لحظة انعدام الوزن العربيّ في السياسات الدوليّة، الأمر الذي يجعل النموذج التركيّ في الانتقال إلى الحداثة مع الحفاظ على الهُويّة الإسلاميّة مسألة موحيّة لكن ليس على العرب أن يحتذوا بها، بل أن يخلقوا نموذجهم الخاص. وهذا الكتاب محاولة علمية لقراءة العلاقات العربيّة - التركيّة من منظار عربيّ ولا سيما أن تركيا الجديدة دأبت على السعي لتحسين صورتها لدى العرب من خلال احتضانها قضية فلسطين. ومع ذلك، فإنّ الصورة القديمة لتركيا المتحالفة مع الغرب والعضو في حلف شمال الأطلسي لم تتبدد تمامًا، ولا تزال الشكوك العربيّة قائمة في شأن الدور المستقبليّ الذي تطمح إليه تركيا في المنطقة العربيّة. وهذا الكتاب إسهام مهم في فهم تركيا الجديدة ومصالحها، وفي الإحاطة بالمصالح العربيّة في الوقت نفسه، ومحاولة لاكتشاف نقاط الاشتراك ونقاط الافتراق في هذه المصالح المتداخلة.




Monday, September 23, 2013

تحولات مفهوم القومية العربية - من المادي إلى المتخيل

 تحولات مفهوم القومية العربية

من  المادي من المتخيل




يحاول هذا الكتاب البحث عن نقد داخلي في فكرة القومية العربية ضمن صيرورة ثقافية بخاصة مع تصاعد دعوات كثيرة في العقدين الأخيرين تطالب دعاتها بالمراجعة الذاتية. ولأن هذه الفكرة امتصت طاقة فكرية وشعبية كبيرة على مدار القرن الفائت بحيث أصبح من غير الممكن تجاوزها وكأنها لم تكن

تتفتح فصول هذا الكتاب حول إشكاليتين رئيسيتين الأولى تتسائل ما إذا كان الفكر القومي العربي قد أجرى ضمن صيرورته الثقافية نقدا داخليا استطاع من خلاله مواكبة مشكلات الواقع العربي على مدار القرن الفائت. والثانية تفحّص إمكاناته؛ عبر إنتاجه المعاصر، بتشييد مشروع سياسي اجتماعي يعيد التفكير بقضيته المتمثلة ببناء أمة حديثة.

حول هذه الأسئلة التي ستولد أسئلة أخرى تدور إشكالية هذا الكتاب ليسعى النص إلى تقصيها عبر مناقشة نتاجات أربعة نماذج من المثقفين القوميين تتوزع على فترات زمنية مختلفة، وهم محمد عزة دروزة من الجيل الأول، ونديم البيطار، وقسطنطين زريق من الجيل الثاني، وعزمي بشارة من الجيل الثالث والأخير


Wednesday, June 5, 2013

الدين والعلمانية في سياق تاريخي - عزمي بشارة

الدين والعلمانية في سياق تاريخي - عزمي بشارة




على خلاف ما هو شائع في اقتراح العناوين اللافتة للكتب التي تُعالج ثنائيّات المفاهيم الرائجة، "كالإسلام والديمقراطيّة" و"الإسلام والعلمانيّة" وكأنّها مفردات ذات معانٍ قائمة بذاتها، يقترح عزمي بشارة صيغةً أخرى لا تصبغ صيغة العنوان فقط، بل ما يستوجبه مضمون البحث من صيغٍ موافقة وملائمة للعنوان.  
فعلى مستوى المضمون هذا، لا تكمن إشكاليّة البحث في الدين (كدينٍ بذاته)، بل في "أنماط التديّن"، وليس في هذا الأمر اجتهاد في اللّغة فحسب، بل جهد معرفيّ لمقاربة ما يجب مقاربته وإدراكه على مستوى التاريخ الفعليّ، أي على مستوى "ما جرى وما يجري" فعلًا في السياقات التاريخيّة لحالات تمثّل الدين، باعتبارها ظواهر اجتماعيّة، متغيّرة ومتبدّلة ومتحوّلة.
على أنّ أنماط التديّن كظواهر متحوّلة لا تنفصل أبدًا عن أنماط العلمنة المتداخلة معها كبنيةٍ قائمة بذاتها في مجتمعٍ ما. فالفرق بين أنماط التديّن في دولٍ ومجتمعات معيّنة، يتحدّد - كما يقول عزمي بشارة في مقدّمة كتابه "الدّين والعلمانيّة في سياقٍ تاريخيّ" - بنسبةٍ كبيرة، بأنماط العلمنة التي تمّت والتي تعرّض لها المجتمع، وكما أنّ أنماط العلمنة يتحدّد فعلها بدرجات التديّن وأنواعه.
مشروع عزمي بشارة في هذا الموضوع، مشروع معرفيّ تراكميّ، بدأ البحث فيه منذ عقدٍ ونصف ولا يزال الحفر والإغناء فيه قائمين تحت عنوانٍ واسع وعريض "الدّين والعلمانيّة في سياق تاريخيّ".
يصدر أوّل ثلاثة أجزاء من هذا المشروع حاملًا عنوانًا فرعيًّا هو "الدّين والتديّن" عمومًا. هذا الكتاب هو مقدّمة نظريّة للبحث. أمّا الجزءان الآخران فيجري العمل في إعدادهما تباعًا، وموضوع الثاني هو العلمنة في أوروبا، وقد شارف على الانتهاء، والثالث موضوعه نماذج عثمانيّة وعربيّة عن عمليّة العلمنة، وهو قيد الإعداد.
يتضمن الجزء الأوّل الذي صدر بعنوان فرعي "الدّين والتديّن" فصولًا خمسة. يعالج الأوّل العلاقة بين ما هو مقدّس وأسطوريّ ودينيّ وأخلاقيّ، معالجة جدليّة، ففي موضوعة علاقة الدين بالأخلاق، وهي العلاقة الأكثر تعقيدًا "يصعب فصل الدين عن طاعة ما يمليه، ولكن لا بدّ من التعامل معه (الدين) كظاهرة باتت مختلفة عن الأخلاق. في الفصل الثاني، يعالج المؤلّف مسألة التديّن من منطلق أنّ "الدين هو ظاهرة لا تقف وحدها من دون تديّن (..)، على أنّ التديّن بصفته ظاهرة اجتماعيّة لها دينامية تطوّر وحيّز دلالي واجتماعيّ كافٍ يسمح بوجود تديّن من دون إيمان". يتطرّق بشارة في الفصل الثالث إلى نقد محاولات دحض الدين (في نقد نقد الدين)، إذ يتطرّق بالتحديد إلى نقد محاولات دحض الدين التي يعدّها بعض المنظّرين العرب "جهدًا تنويريًّا تقدميًّا". في الفصل الرابع (تعريفات)، يتناول الباحث المحاولات المختلفة لفهم الدين، وتحديدات الدين والتديّن نظريًّا، ليصل إلى اعتبار جهد تعريق الدين وتحديده جهدًا علمانيًّا حتّى لو قام به باحثون غير علمانيّين، وإلى النتيجة التي تقول "إنّ فهمنا للدين يتغيّر بحسب العلمنة وأنّ أنماط التديّن في مجتمعٍ من المجتمعات تتأثّر بأنماط العلمنة التي تمرّ بها". الفصل الخامس وعنوانه "انتقال من مبحث الدين والتديّن إلى مبحث العلمانيّة" هو الجسر الواصل ما بين الجزء الأوّل والجزء الثاني من مشروع عزمي بشارة. وعنوان الجزء الثاني من الكتاب هو "العلمانيّة ونظريّة العلمنة". وبهذا يكون الفصل الخامس من الكتاب نتيجةً وبدايةً في الوقت نفسه، ومضمونه: قناعة أنّ الدين ظاهرة اجتماعيّة متغيّرة وقابلة للدرس (...)، إنّه "إنسانيّ وإرادوي واجتماعيّ ونسبيّ ومتنوّع"؛ والعلمانية ليست نظريّة علميّة، ولا تعني العقلانية بالضرورة، بل هي ثقافة وأيديولوجية تطوّرت تاريخيًّا، وتمخّض عنها نظريّة سوسيولوجية في فهم تطوّر المجتمعات كصيرورة من العلمنة". وهذا هو موضوع الجزء الثاني من الكتاب.